الشيخ الطبرسي

322

تفسير مجمع البيان

على الحقيقة ، ولا يسعه غير ذلك . فلما أسلما أعلمه الله سبحانه أنه صدق الرؤيا بما فعله ، وفدى ابنه من الذبح بالذبح . ( قال يا أبت إفعل ما تؤمر ) أي : ما أمرت به ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) أي : ستصادفني بمشيئة الله ، وحسن توفيقه ، ممن يصبر على الشدائد في جنب الله ، ويسلم لامره . ( فلما أسلما ) أي : استسلما لامر الله ، ورضيا به وأطاعاه . وقيل : معناه سلم الأب ابنه لله ، وسلم الابن نفسه لله ( وتله للجبين ) أي : أضجعه على جبينه ، عن الحسن . وقيل . معناه وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه ، فتلحقه رقة الآباء ، عن ابن عباس . وروي أنه قال : اذبحني وأنا ساجد ، لا تنظر إلى وجهي ، فعسى أن ترحمني فلا تذبحني . ( وناديناه أن يا إبراهيم ) تقديره ناديناه بأن يا إبراهيم أي . بهذا الضرب من القول ( قد صدقت الرؤيا ) أي : فعلت ما أمرت به في الرؤيا ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) أي : كما جزيناه بالعفو عن ذبح ابنه ، نجزي من سلك طريقهما في الإحسان بالاستسلام والانقياد لامر الله ( إن هذا لهو البلاء المبين ) أي : إن هذا لهو الامتحان الظاهر ، والاختبار الشديد . وقيل : إن هذا لهو النعمة الظاهرة . وتسمى النعمة بلاء بسببها المؤذي إليها ، كما يقال لأسباب الموت هي الموت ، لأنها تؤذي إليه . واختلف العلماء في الذبيح على قولين أحدهما : إنه إسحاق ، وروي ذلك عن علي عليه السلام ، وابن مسعود وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة وعطا والزهري والسدي والجبائي . والقول الآخر : إنه إسماعيل ، عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس والكلبي ومحمد بن كعب القرظي . وكلا القولين قد رواه أصحابنا عن أئمتنا عليهم السلام ، إلا أن الأظهر في الروايات أنه إسماعيل ، ويعضده قوله بعد قصة الذبح . ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) . ومن قال : إنه بشر بنبوة إسحاق ، فقد ترك الظاهر ، ولأنه قال في موضع آخر : ( فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) فبشره بإسحاق ، وبأنه سيولد له يعقوب ، فكيف يبشره بذرية إسحاق ، ثم يأمره بذبح إسحاق مع ذلك ؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " أنا ابن الذبيحين " ولا خلاف أنه من ولد إسماعيل ، والذبح الآخر هو عبد الله أبوه .